فخر الدين الرازي
104
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فذكروا في العذر وجوها : الأول : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : لا يؤتون الناس نقيرا إذن . الثاني : أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت ، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى : وإذا لا يلبثون خلفك [ الإسراء : 76 ] والثالث : قرأ ابن مسعود ( فإذا لا يؤتوا ) على إعمال « إذن » عملها الذي هو النصب . المسألة الخامسة : قال أهل اللغة : النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وأصله أنه / فعيل من النقر ، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ينقر ، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها الحجارة ، ومنه منقار الطائر لأنه ينقر به . واعلم أن ذكر النقير هاهنا تمثيل ، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 54 إلى 55 ] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) [ في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ] فيه مسائل : المسألة الأولى : أم : منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس . المسألة الثانية : في المراد بلفظ « الناس » قولان : الأول : وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم ، ومن هذا يقال : فلان أمة وحده ، أي يقوم مقام أمة ، قال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [ النحل : 120 ] . والقول الثاني : المراد هاهنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين ، وقال من ذهب إلى هذا القول : ان لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد . واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لا رادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى اللَّه عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين : المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين : فالقول الأول : انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا . والقول الثاني : انهم حسدوه على أنه كان له من الزوجات تسع . واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وضم إليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل إن جعل الفضل اسما